السيد محمد حسين فضل الله

58

من وحي القرآن

ربما نلاحظ أن الصورة الشكلية ، في ما تعارف عليه الناس من طقوس في مظاهر العبادة ، لا تمثّل - بمجردها - معنى العبادة ، بل لا بد من أن ينضم إليها الاستغراق في الذات التي يوجّه إليها الفعل المعين ، في ما يشبه حالة الذوبان الذي يفقد الإنسان معه الإحساس بإرادته أمامها ، أو في الالتفات إلى وجوده معها . ولذلك لا بد من وجود حالة نفسية في مستوى الانسحاق في انطباق مفهوم العبادة عليه . وهذا ما نستوحيه في مسألة أمر اللَّه للملائكة ولإبليس بالسجود لآدم عليه السّلام ، باعتبار ما يمثله ذلك من معنى الاحترام الناشئ من الإيحاء بعظمة خلقه - كما هو أحد الاحتمالات في ذلك - فإن من الطبيعي أن اللَّه لم يأمر بذلك بمعنى العبادة لآدم عليه السّلام حتى على مستوى المظهر ؛ لأن اللَّه لا يرضى بعبادة غيره وإن كان من أقرب خلقه إليه . ولذلك ، لم يكن ردّ فعل إبليس على المسألة اعتراضا على منافاة ذلك للإخلاص للَّه وللإيمان بوحدانيته ، بل اعتراضا على أن يكون عنصر التراب أفضل من عنصر النار ، بحيث لا يتناسب ذلك مع سجود المخلوق من النار ، التي هي أقوى من التراب ، للمخلوق من التراب ، لأن السجود يمثل التعبير عن التعظيم ، باعتبار أنه صاحب القيمة الفضلى والمستوى الأرفع . وهكذا ، فإننا لم نجد من الملائكة استغرابا للأمر ، في ما يمكن أن يحمله ، حسب هذا الفرض ، من المنافاة للتوحيد في العبادة . وهذا ما نستوحيه من سجود يعقوب عليه السّلام وزوجته وأولاده ليوسف عليه السّلام ، وذلك قوله تعالى : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [ يوسف : 100 ] فإن الظاهر أن المراد منها هو سجود أبويه وإخوته له ، لأنه قال - بعد ذلك - : يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [ يوسف : 100 ] ؛ وكان ، في ما قصّه على أبيه من رؤياه في بداية القصة ، ما ذكره اللَّه سبحانه : إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي